الشنقيطي
278
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
على اللّه . وقد أشار تعالى إلى هذا القسم الّذي هو الواقع بحرف الزّجر والرّدع وهو قوله ، كَلَّا أي لأنّه يلزمه ليس الأمر كذلك ، لم يطّلع الغيب ، ولم يتّخذ عند الرّحمن عهدا ، بل قال ذلك افتراء على اللّه ، لأنّه لو كان أحدهما حاصلا لم يستوجب الرّدع عن مقالته كما ترى . وهذا الدّليل الّذي أبطل به دعوى ابن وائل هذه هو الّذي أبطل به بعينه دعوى اليهود : أنّهم لن تمسّهم النّار إلا أيّاما معدودة في سورة « البقرة » ، وصرّح في ذلك بالقسم الّذي هو الحقّ ، وهو أنّهم قالوا ذلك كذبا من غير علم . وحذف في « البقرة » قسم اطّلاع للغيب المذكور في « مريم » لدلالة ذكره في « مريم » على قصده في « البقرة » كما أنّ كذبهم الّذي صرح به في « البقرة » لم يصرّح به في « مريم » لأنّ ما في « البقرة » يبيّن ما في « مريم » لأنّ القرآن العظيم يبيّن بعضه بعضا ؛ وذلك في قوله تعالى : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) [ البقرة : 80 ] فالأوصاف هنا هي الأوصاف الثّلاثة المذكورة في « مريم » كما أوضحنا ، وما حذل منها يدلّ عليه ذكره في « مريم » فاتّخاذ العهد ذكره في « البقرة ومريم » معا والكذب في ذلك على اللّه صرّح به في « البقرة » بقوله : أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) وأشار له في « مريم » بحرف الزّجر الّذي هو كَلَّا واطّلاع الغيب صرّح به في « مريم » وحذفه في « البقرة » لدلالة ما في « مريم » على المقصود في « البقرة » كما أوضحنا . مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة . المسألة الأولى [ السّبر والتّقسيم تكرّر وروده في القرآن ] اعلم أنّ هذا الدليل الّذي هو السّبر والتّقسيم تكرّر وروده في القرآن العظيم ، وقد ذكرنا الآن مثالين لذلك أحدهما في « البقرة » والثّاني في « مريم » كما أوضحناه آنفا . وذكر السّيوطي في الإتقان في كلامه على جدل القرآن مثالا واحدا للسّبر والتّقسيم ، ومضمون المثال الّذي ذكره باختصار ، هو ما تضمنّه قوله تعالى : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ [ الأنعام : 143 ] الآيتين ، فكأنّ اللّه يقول للّذين حرّموا بعض الإناث كالبحائر والسّوائب دون بعضها ، وحرّموا بعض الذّكور كالحامي دون بعضها : لا يخلو تحريمكم لبعض ما ذكر دون بعضه من أن يكون معلّلا بعلّة معقولة أو تعبّديا . وعلى أنّه معلّل بعلّة فإمّا أن تكون العلّة في المحرّم من الإناث الأنوثة ، ومن الذّكور الذّكورة . أو تكون العلة فيهما معا التّخلّق في الرّحم ، واشتمالها عليهما ، هذه هي الأقسام التي يمكن ادّعاء إناطة الحكم بها . ثمّ بعد حصر الأوصاف بهذا التّقسيم نرجع إلى سبر الأقسام المذكورة ؛ أي اختبارها ليتميّز الصّحيح من الباطل فنجدها كلّها باطلة بالسّبر الصّحيح ، لأنّ كون العلّة الذّكورة يقتضي تحريم كلّ ذكر وأنتم تحلّون بعض الذّكور ، فدلّ ذلك على بطلان التّعليل